من أين يأتي السوريون بأسماء أطباقهم؟

عن الحراق إصبعه والباشا وعساكره وكشك الفقراء… من أين يأتي السوريون بأسماء أطباقهم؟

يتباهى السوريون بين دول المشرق والمغرب العربي بمطبخهم. لأنه ثري للغاية، ولم يتم تصديره بشكل تجاري أو سياحي، كالمطبخ المغربي أو اللبناني مثلاً، فبقي كجوهرة مكنونة لن تتذوقها ما لم تزر سوريا أو بيت أحد أبنائها.

وقد تشتت السوريون بسبب الحرب، فحملوا معهم مطبخهم إلى بلدان النزوح.

دعكم من “الشاورما” و “الحمص” و “الكبة” التي تعن على البال عند ذكر المطبخ السوري، فهذه أكلات عامة منتشرة وتتقاسمها سوريا مع كافة دول المشرق.

نتحدث عن الأطباق المحلية التي يتغنى بها أبناء البلد فيما يتساءل الكثيرون هل هذه أطباق أو مسابقات تلفزيونية: “الشيشبرك”، “الباشا وعساكره”، “الشاكرية”، “الحراق إصبعه”، “شيخ المحشي”، “كشك الفقراء” وغيرها من الأطباق ذات الأسماء الغريبة.

“لا يمكن أن تكون (هذه الأطباق) أقدم من القرن الـ17″، تقول خبيرة المطبخ السوري “ريتا باريش”، التي تقيم في برلين. مشيرةً إلى أن الغذاء في القرون الأخيرة تطور أكثر نحو الترف في المكونات بسبب تطور العوامل التي أدت الى زيادة الإنتاج وتحقيق الوفرة، بالإضافة إلى تعرف العالم على الطماطم والبطاطا “بعد اكتشاف الأمريكتين اللتين غيرتا وجه مطابخ العالم”.

فما هي قصة هذه الأطباق، ومن أين جاءت تسميتها؟

الشيشبرك والباشا بعساكره

جيوب صغيرة من العجين المحشي باللحم المفروم والبهارات، توضع في اللبن وتسلق فيه، فيما يُطهى المزيج على نار خفيفة، ثم يُضاف إليه الثوم والكزبرة المقليان بالزيت البلدي. هذا هو الشيش برك.

وإذا أضيفت أقراص الكبة المستديرة إلى الخليط، يتغير اسم الطبق ويصبخ الباشا وعساكره. وكأن أقراص الكبة هي الباشا، وجيوب العجينة هي العساكر.

“لسنا نبالغ إذ نقول إننا نستطيع أن نحصي عدداً هائلاً من الوصفات التي تقوم على حشو عجينة من دقيق القمح بأنواع مختلفة من الخضار واللحوم والبهارات، من أقصى شرق آسيا إلى أقصى غرب أوروبا كالغيوزا اليابانية”، تقول باريش، التي أسست صفحة “مطبخة غربة” على فيسبوك لمشاركة ثقافة الأكل السوري في دول اللجوء.

فهناك البرك التركية، والتورتيلليني الإيطالية، وأكلات مشابهة في أرمينيا وتركيا وروسيا.

ويسود اعتقاد أن “الشيشبرك” أكلة تركية، بسبب اسمها التركي، وأنها دخلت المطبخ السوري خلال الحكم العثماني. لكن “باريش” ترى أنه من الصعب نسب طبق كالشيشبرك إلى بلد معين. تقول: “المنطقة من شرق آسيا إلى إسبانيا تزخر بمعجنات تشبه الشيش برك، فلمن تريد أن تنسبها؟”

والأكلات، برأيها، تتشابه وتتطور ويضاف إلى خصائصها وتعدل بحسب الذوق والمكونات ولا يمكن نسبتها إلى أصل واحد. تقول إن في تركيا معجنات صغيرة مشابهة، اسمها منتي وهي شهيرة في المطبخ الأرمني أيضاً، يُضاف لها اللبن البارد والثوم النيء، لكنها ليست شيشبرك لأن اللبن لا يُطبخ.

يقول “محمد حيان”، وهو سوري يُقيم حالياً في السويد وعاش لفترة في تركيا، إنه لم يجد “الشيشبرك” في أي من المطاعم التركية الحديثة، فهي متوفرة في المطاعم السورية فقط وفي بعض المحافظات التركية القريبة من الحدود السورية.

تضيف “باريش” أن الشبه بين الشيشبرك السورية والبلميني الروسية مثلاً “يكاد يكون مخيفاً”. ففي روسيا تُحشى العجينة بلحم الخنزير، بدل لحم الغنم أو الضأن، وتُطبخ بالكريما الحامضة بدل اللبن، ويُضاف إليها الثوم النيء والبقدونس، بدلاً من الكزبرة والثوم المقلي.

الحراق إصبعه

يثير اسم هذه الأكلة الابتسامة والتساؤل: من هو هذا الذي حرق إصبعه؟ وما قصته؟ ولمٓ سمّي هذا الطبق بتلك التسمية الغريبة؟

لا أحد يعرف السبب، ولا يُجمع سوريان على رواية واحدة لأصل تسمية هذا الطبق الدمشقي. لكن أكثر الروايات قرباً من المنطق، وفق باريش، هي أن رجلاً عاد إلى منزله جائعاً، فشم رائحة الكزبرة الزكية المقلّاة مع الثوم وقِدر العدس تغلي مع منقوع التمر الهندي والعجين. سال لعابه وحدثته نفسه بألا ينتظر حتى يبرد الطبق الذي يؤكل بارداً، فحرق إصبعه الذي غمسه في القدر.

أقوال جاهزة

“سال لعابه وحدثته نفسه بألا ينتظر حتى يبرد الطبق، فحرق إصبعه ونُسب الطبق إليه”.. قصص الأكلات السورية

غيّر السوريون علاقتهم بمطبخهم بعد الحرب. أصبحت بعض النكهات بعيدة للغاية، وصارت بعض المكونات صعبة المنال

هو عدس مطبوخ مع العجينة والبصل والخبز المقلي والثوم والكزبرة ودبس الرمان، وهو بحسب الحلبي، طبق دمشقي بامتياز، لا يفتقده أبناء مدينته أو المحافظات الأخرى كما يشعر تجاهه أبناء العاصمة.

إلا أن استخدام العدس كمصدر بروتين بدل اللحم هو خاصية شعبية معروفة في الكثير من الدول الممتدة من غرب الهند إلى ضفاف المتوسط.

تقول “باريش” إن في المطبخ الإيراني يخنات العدس مع اللوبياء والعجين. وهناك الرشتا، وهي شوربة شتوية كثيفة تحتوي على شعيرية وحمص وسلق وكزبرة، بالإضافة إلى العدس بحامض الذي يحتوي قطعاً من البطاطا المسلوقة.

الشاكرية وأكلات اللبن

لا تُحصى الأكلات السورية المُعدة باللبن، لا سيما المطبوخ ببطء وعناية على نار هادئة. والشاكرية هي أحد هذه الأطباق.

“هي لبن مطبوخ مع قطح لحم وبهارات”، هكذا يصفها الشيف “أبو ليث مارديني”، مدير مطعم “روستو” للأكل السوري في منطقة 6 أكتوبر بالقاهرة، والتي تُسمى سوريا الصغيرة بسبب تمركز اللاجئين فيها.

ترتبط هذه الأكلة، بحسب “مارديني”، بعيد الأضحى، إذ تُطبخ في أول أيامه لأن “لونها أبيض جميل”.

“يقول السوريون خلينا نبيضها”، يضيف مارديني لرصيف22.

ومن أكلات اللبن الأخرى شيخ المحشي، وهي الكوسا المحشوة باللحم المفروم والمطبوخ في اللبن. بالإضافة إلى الفتّات على أنواعها التي تختلف من مدينة لأخرى. فهناك فتة الدجاج في حمص، وفتة التسقية (أو الحمّص) في دمشق، وفتة المكدوس (الباذنجان) وفتة الكباب وفتة السجقات …

كشك الفقراء

على نقيض الأطباق السابقة، تُعد كشك الفقراء وتؤكل في السوق أكثر منها في المنازل. ويطيب للدمشقيين تقديمها في الأعراس بشكل خاص، فيما يعدها بائعو المثلجات العربية في الشتاء كبديل عن البوظة.

تقول “باريش” إن كشك الفقراء تعتمد على الحليب الكامل الدسم وحليب اللوز، الذي يتم استخلاصه بعد نقعه وتقشيره لمدة يومين حتى يصبح طرياً ويمكن استحلابه بواسطة طحنه وتصفيته. وتضيف أن الطبق يأخد نكهته من المستكة المطحونة التي تُضاف إليه وماء الزهر الذي يُستخدم في الكثير من الحلويات السورية التقليدية، وماء الورد والسحلب.

يضاف إلى الحليب النشاء الأخضر، وهو يقطف مباشرة بعد جرش القمح المنقوع وتخميره. ويكون عبارة عن عجينة بيضاء كثيفة، شكلها كقالب الجبن الأبيض. وتُضاف للكشك أحياناً منفحة العجل للحصول على قوام جبني متماسك.

تصنع باقي دول بلاد الشام أطباقاً مشابهة، بحسب “باريش”، لكن كشك الفقراء السوري يتميز بوجود مستحلب اللوز وماء الزهر في عداد مكوناته.

يتحول كشك الفقراء إلى كشك الأمراء إذا تغيرت طريقة تزيين الطبق، وأضيفت إليه المكسرات الباهظة، بحسب “باريش”. وله أسماء أخرى كالمحلاية والمهلبية.

المطبخ والغربة

غيّر السوريون شكل علاقتهم بمطبخهم بعد الحرب. أصبحت بعض النكهات بعيدة للغاية، وصارت بعض المكونات صعبة المنال بعدما كانت متاحة ليلاً ونهاراً، حينما انتقل بعضهم إلى دول اللجوء أو ضربت الحرب مدن البعض الآخر.

تقول “باريش”، التي لمست حنين أهل بلدها لمطبخهم من خلال تفاعلهم في مجموعتها، مطبخ غربة: “يفتقد السوريون بالطبع هذه الأطباق، فقد يكونون في مناطق لا يستطيعون فيها الوصول إلى مطاعم سورية تعدّها”.

وتضيف أن في سوريا بضعة مفاهيم للطعام خارج المنزل.

هنالك الأكل السوقي وهو عبارة عن أكلات الشارع يتم تناولها كوجبة سريعة مثل المناقيش والفطائر واللحم بعجين والشاورما والفلافل والفتات والفول وبعض العصائر والمثلجات والحلويات.

وهناك مطاعم تقدم طعاماً وأنواع المازة المختلفة، المُعدّ بعضها في المنزل وتقتصر وجباتها الرئيسية على المشاوي وأنواع الكبة والأسماك.

وهناك أيضاً مفهوم المطبخ، ويكون في الأساس حلواني “بغجاتي” يطبخ حسب الطلب ويقدم خدماته في الأفراح والمآتم مع الحلويات التي يصنعها. في هذا النوع، يمكن أن نرى الحراق إصبعه مثلاً يُقدم خارج المنزل.

لكن ما يفتقده السوريون، بحسب “باريش”، هو الأكل السوقي، الذي لا يمكن إعداده في المنزل، وبعض الأكلات الصعبة. لكن الحاجة أدت إلى أن يتعلم المغتربون طريقة إعداد تلك الأكلات.

وتستطرد “باريش”: “اليوم على جروب مطبخ غربة مثلاً تجد الكثير من الشبان والشابات ممن يفخرون بأنهم قد قاموا بطبخ فتة كوارع أو لسانات مثلاً أو المحاشي بأنواعها (وهي أكلات يصعب إعدادها) من الألف إلى الياء بواسطة ما هو متوفر لديهم في بلاد الاغتراب”. وهم يحاولون إيجاد بدائل عن المكونات الأصلية مما هو متوفر في محيطهم.

كيف ساعد الطعامُ السوريين؟

تقول باريش: “غالباً ما يميل أفراد المجتمعات المهاجرة إلى تأسيس عمل خاص، وهذا العمل يكون غالباً متعلقاً بالطعام. فهو تجارة لا تكسد، ورغبة منهم في توفير الغذاء الملائم ثقافياً لأبناء جاليتهم كما هو الحال في تشاينا تاون مثلاً”.

وهي ترى أن الطبخ ساعد الكثير من السوريات على الاستمرار في بلاد اللجوء والاغتراب خاصة أن الكثير من العائلات باتت تعتمد مادياً على الأم، في غياب الأب بسبب القتل أو الاعتقال أو الاختفاء القسري أو حتى الانفصال عن العائلة لتأمين مكان أفضل في بلدان أخرى. وهذا ما رتب أعباء جديدة على كاهل المرأة وقادها باتجاه تأمين معيشتها بواسطة أمر لطالما أبدعت فيه.

ويتفق معها محمد حيان، الذي يقول: “الأكل السوري ساهم في تخفيف الأعباء المالية لكثير من الأسر السورية في السويد. علماً أن أغلب المطاعم هنا يديرها عرب”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *