سورية و”إسرائيل” تتبادلان الأدوار

في السنوات الأخيرة الماضية لم تتوانَ “إسرائيل” عن اغتنام الفرص لضرب سورية، دون أن تبادلها سورية ذلك، ولطالما احتفظت بحق الرد حتى ظن البعض أن سورية لا تملك القدرة على مواجهة العدو الاسرائيلي، ولكن آن الأوان لتخرج سورية عن صمتها وتوجه ضربة قاسية للكيان الغاصب.

جاء يوم السبت “10/2/2018” ليرسم معه خارطة طريق جديدة في الصراع العربي الاسرائيلي ويقلب المعادلات رأسا على عقب لتدخل المنطقة بعد أن أسقطت دفاعات الجيش السوري طائرة “أف 16” اسرائيلية فوق الأراضي المحتلة، مرحلة جديدة لن تكون برداً وسلاماً على الكيان الاسرائيلي.

إسقاط الطائرة “أف 16” (فخر الصناعة الأمريكية) بنيران سورية بعد أكثر من سبع سنوات على حرب داخل البلاد، شكل صدمة للكيان الاسرائيلي الذي كان يروج للجميع بأن سورية أصبحت دولة هشة لا يمكنها الهجوم أو المباغتة ولا حتى الدفاع عن أراضيها، لذلك كانت الطائرات الاسرائيلية تنفذ طلعات على تخوم الحدود مع سورية وتستهدف مواقع للجيش السوري دون رقيب او حسيب، وخلال الأشهر القليلة الماضية حذرت دمشق الكيان الاسرائيلي من أن أي اعتداء على سورية سيتم الرد عليه وبشكل فوري، ولكن الصهيوني على مايبدو ظن هذا الكلام لا يعدو كونه “تصريحات إعلامية” إلى أن جاء الرد مدوياً اليوم بإسقاط الطائرة التي وصل صداها إلى أروقة البيت الأبيض الذي لم ينبس ببنت شفة حتى اللحظة.

قبضة الأسد هذه المرة جاءت مُحكمة وموجعة مطبقة الخناق على القيادات السياسية والعسكرية ومراكز القرار في تل أبيب التي أوعزت للسكان في عدة مستوطنات شمالية بالتوجه إلى الملاجئ وفتح ملاجئ حيفا وتل أبيب، وكان لافتاً تصريح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اليوم السبت أن “إسرائيل لا تسعى للتصعيد في المنطقة”، وان “مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” أعطى أوامر لوزراء الحكومة بعدم التعليق على أحداث الشمال”.

ولكي يهرب الإسرائيلي من الإعتراف بأنه تلقى ضربة قاضية ستغير قواعد الاشتباك في المنطقة لامحالة، لجأ لاعتماد أمرين:

الأول: إطلاق ست صواريخ نحو سورية بعد اسقاط الطائرة الإسرائيلية، كنوع من ردة الفعل ولحفظ ماء الوجه الإسرائيلي أمام الشعب الصهيوني الذي قد ينهار معنوياً في أي لحظة، خاصة أن رُعب نتائج حرب تموز لا زالت تعصف بهم، وفي حال حدوث أي تجربة جديدة مشابهة لحرب تموز قد تُدخل شعب الاحتلال في فوضى عارمة تزلزل كيانه وتدفعه للعودة من حيث أتى دون رجعة.

الثاني: اتهام ايران بأنها السبب وراء هذا الاعتداء وإظهار أنفسهم بأنهم معتدى عليهم ومساكين لا يعتدون على أحد، ولكن على من يكذبون وإلى متى؟!، الكيان الإسرائيلي كان وما زال المهدد الوحيد لأمن واستقرار المنطقة منذ نشأته وحتى اللحظة، مئات الإعتداءات على السكان المدنيين الآمنين في سورية ولبنان وفلسطين وغيرها من المناطق وارتكاب أشنع المجازر من صبرا إلى شاتيلا وغيرها واحتلال دولة بأكملها أمام أعين المجتمع الدولي ومن ثم يطالبون وبكل وقاحة بالاعتراف بهم.

والسؤال من أنتم ليتم الاعتراف بكم؟!، وبكل الأحول إن غداً لناظره لقريب.

أما بالنسبة لإيران فقد اثبتت هذه الدولة الإقليمية والصديقة الوفية لسورية حرصها على وحدة سوريا ووقوفها إلى جانبها في أصعب الظروف، وما تحاول إيصاله اليوم “إسرائيل” للمجتمع الدولي بأن ايران هي السبب في زعزعة أمن المنطقة لن يمر على أحد.

وجاء الرد الإيراني على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي لوكالة فرانس برس الذي قال “إيران تؤمن أن لسورية الحق في الدفاع المشروع عن النفس، ومن أجل التغطية على جرائمهم في المنطقة، يلجأ القادة الإسرائيليون إلى أكاذيب ضد الدول الأخرى”.

ونفت “غرفة عمليات حلفاء سورية” التي تضم قياديين من ايران وحزب الله اللبناني وتتولى تنسيق العمليات القتالية في سورية، إرسال أي طائرة مسيرة فوق الأجواء الإسرائيلية فجر السبت، واصفة الاتهامات في هذا الصدد بأنها “افتراء”.

وكان لافتاً جداً طلب الكيان الإسرائيلي من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية التحرك بسرعة لاحتواء الموقف ومنع التصعيد على الجبهة مع سورية، وفي الوقت نفسه تحدث نتنياهو بأن الكيان الإسرائيلي لايريد التصعيد وتوسيع العملية، وهذا وإن دل على شيء فهو يدل على تغير جذري في قواعد الاشتباك وسقوط القناع الإسرائيلي الذي أوهم العالم أجمع بأنه لا يهزم وبأن سلاح الجو لديه هو أعظم ما يملك، ليشهد العالم اليوم سقوط هذه الهنجعية والبروباغندا الإعلامية بصاوريخ سورية حطمت كبرياء من اعتدى على السيادة السورية لعدة سنوات وبضربة واحدة من الأسد الذي وصفته صحيفة هآرتس الإسرائيلية بأنه انتقل من مرحلة التهديد إلى مرحلة التنفيذ.

سورية وجهت اليوم رسالتين للداخل والخارج:

الرسالة الأولى: كانت للجماعات الإرهابية في سورية، فإسقاط الطائرة أوصل رسالة لجميع هؤلاء المسلحين بأن زمن الدعم الإسرائيلي لكم قد ولا إلى غير رجعة، فالكيان الإسرائيلي حاول دعم هؤلاء على امتداد الأزمة ودربهم وسلحهم وأرسلهم لاستهداف مناطق حساسة للجيش السوري.

الرسالة الثانية: بأن اي اعتداء جديد على سورية سيواجه رداً عنيفاً من الطرف السوري وما حدث اليوم هو أول الغيث، وهذه الرسالة فهمها الكيان الإسرائيلي جيداً لذلك وجدناه يستجدي موسكو وواشنطن لاحتواء الموقف ومنع التصعيد.

ختاماً، على كل عربي أن يفخر اليوم بما فعله الجيش السوري الذي حفظ ماء الوجه للعرب وللأمة جمعاء من خلال هذا التصدي للكيان الإسرائيلي وماكيناته القاتلة للحجر والبشر، وما حدث اليوم هو رسالة للمطبعين مع الاحتلال ولمن كانوا يستهزأون عبر شاشات التلفزة وباللغة العربية من قدرات الجيش السوري في التصدي للإعتداءات الصهيونية.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *