الاحتلال.. من مرسل بالنار إلى مُستقبِل للرعب!

اعتادت حكومة الاحتلال الإسرائيلي أسلوب الغارات الجوية على سورية كطريقة وحيدة في تبيان مصالحها، أو إظهار غضبها، مستغلة تعقد الوضع العسكري السوري، ودعمها وتخابرها مع المجموعات المسلحة في الداخل، تحت مسمى دعم “الثورة السورية والحرية”.

تزعم كيان الاحتلال أن “تفوق”ـها الجوي وتنسيقها مع روسيا ببروتوكولات الطيران، كافيان لإضفاء هذه الميزة على سياساتها الخارجية، خاصة مع عدم اعتراف محور المقاومة بالكيان الصهيوني وانعدام القنوات الدبلوماسية المباشرة التي يمكن استخدامها، حتى وصلت الحكومة الإسرائيلية إلى قناعة راسخة نتيجة تكرار أعمالها العدائية، تتمثل في التفوق الجوي والذي يجعل توازن الرعب بين محور المقاومة والكيان الصهيوني مخلخلاً بعض الشيء لصالح تل أبيب، هذه القناعة هي التي انطلقت منها الحكومة الإسرائيلية لترفع سقف طموحها عالياً بمطالبة موسكو بالاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، مطالبة أخذت كل الأشكال الممكنة من الاجتماعات الحكومية في الجولان إلى الزيارات المتكررة لموسكو وصولاً للغارات الجوية، ودون جدوى تذكر، فيما يتأنى الجانب السوري في ردود أفعاله ويمتص صدمة الرسائل المرسلة مع العلم المسبق بعدم جدوتها، إلى أن تم إسقاط المقاتلة الإسرائيلية  F-16المطورة في 10/02/2018، وهو ما أثار الاستغراب الشديد وأدى إلى استنفار كبير في كامل المنطقة بكل مكوناتها.

اقرأ أيضاً: عندما يصبح الاطفال خطراً استراتيجياً على دولة الاحتلال

مايدفعنا للتساؤل عن ماهية المتغير النوعي الذي أدى إلى حرف مسار الفعل بهذه الحدة؟

التطورات الأخيرة في مجمل المشهد الأقليمي كانت مقلقة إلى حد كبير بالنسبة للجانب السوري، فبمجرد محاولة تعزيز القوات السورية لعتادها وعتيدها في شرق الفرات، يشن التحالف الدولي بقيادة واشنطن غارات مكثفة على القوات السورية إضافة إلى تدمير الجسر الروسي على نهر الفرات برفع منسوب مياه النهر وقوة تدفق المياه من خلال فتح بوابات السد من المناطق التي تخضع لسيطرة القوات الموالية لأمريكا، كما أن محاولة تقدم الجيش السوري في الغوطة الشرقية قوبلت بصواريخ جديدة أطلقت على دمشق بالتزامن مع الحديث عن اتهامات للحكومة السورية باستخدام السلاح الكيميائي في الحرب ضد الجماعات المسلحة، وهو اتهام شديد الخطورة يبين نية عدائية جديدة للتحالف ضد سورية قد يصل إلى ضربة عسكرية على غرار غارة التوماهوك الأمريكية الأخيرة بذات الذريعة على مطار الشعيرات في حمص، وانكشاف الدور الأمريكي في ضرب العلاقة التركية الروسية، وذلك بتسليح المجموعات التي أسقطت الطائرة الروسية بمضادات طيران بالتزامن مع استهداف الجانب التركي بصاروخ أرض أرض متطور، وتتوج كل هذه الممارسات الخطيرة بتحضير إسرائيلي أمريكي للدخول إلى حوض اليرموك (خزان المياه في الجنوب) والسيطرة عليه بحجة دحر “داعش” منه والقضاء عليه، مجمل هذه الأحداث تشير إلى خارطة جديدة يرسمها واشنطن والصهاينة لسورية تحقق فيها الأهداف التالية:

أولاً: تأمين انفصال كيان كردي في شرق الفرات تمهيداً لنبوءة “إسرائيل” الكبرى من الفرات إلى النيل، بحيث يكون هذا الكيان الخادم والحارس الأمين للكيان الإسرائيلي مستقبلاً، من جهة، ومن جهة أخرى عزل لتركيا عن المنطقة ووضعها تحت التهديد لتعلن الطاعة والولاء الدائمين لأمريكا.

ثانياً: ضم حوض اليرموك في الجنوب السوري إلى السيطرة الإسرائيلية، والذي يؤدي إلى تثبيت الوجود الإسرائيلي في الجولان وإنشاء منطقة آمنة له، ويوفر لاحقاً إمدادات كبيرة من المياه العذبة، تشكل رافعة للأمن المائي الإسرائيلي بوصفه أهم أجزاء الأمن القومي.

ثالثاً: تفكيك التحالفات في سورية من خلال تهديد دمشق بالملف الكيميائي، وتحريك الأسطول السادس في الخليج الفارسي ضد إيران، واستهداف مزدوج لكل من العلاقات الروسية-التركية في سوريا من خلال ماجرى مؤخراً.

هذه التشكيلة الجديدة التي تسعى واشنطن لتطبيقها في سورية، دفعت بغرفة العمليات المشتركة للمحور الأوراسي إلى اتخاذ قرار إرسال رسالة جدية، مغلفة بالرعب، مختومة بشعار حافة الهاوية، إلى المصدر الرئيسي لكل هذه المخططات والغاية الأساسية منها، والذي تسحق الشعوب لأجل أحلام شتاتهم في كيانهم المزعوم، من هنا بدأ استدراج الطيران الاسرائيلي من خلال طائرة مسيرة، تعلم مسبقاً غرفة العمليات أن “إسرائيل” ستقوم بإسقاطها واستهداف المكان الذي أقلعت منه، لتجري العملية المزلزلة باستهداف الطائرات الإسرائيلية أسقط أحد أكثرها تقدماً وتطوراً، وبسلاح سوري لم يتم تحديد ماهيته ومواصفاته حتى، مادفع الكابينيت الإسرائيلي إلى الهلع نحو استكمال غاراته، خوفاً من فرض قواعد اشتباك جديدة يصبح من خلالها عاجز عن إرسال أي رسالة في المنطقة، بالتالي الخروج من المشهد مع ضغوطات داخلية كبيرة.

 ولكن تصدي الدفاعات الجوية السورية لمعظم الصواريخ جعلت الحكومة الإسرائيلية المصغرة تعيد النظر بما يحصل، لتجد نفسها على حافة هاوية بإمكانية إنزلاق كبيرة إلى حرب لايتفوق فيها الجيش الإسرائيلي بأي سلاح على الإطلاق، أي أن توازن الرعب قد تحول إلى توازن استراتيجي، خاصة مع إعلان إيران السابق بامتلاكها سلاح صواريخ نوعي ومتطور ضد الأهداف المتحركة (البحرية)، بالتالي الدمار الأكبر سيكون من نصيب “إسرائيل” والأسطول الأمريكي في حال فتح مواجهة أقليمية، مادفعها إلى المناشدة السريعة لكل من أمريكا وروسيا بوقف التصعيد بأسرع وقت ممكن وأعلنت مباشرة إنتهاء عملياتها، وليس بعيداً جداً كان الجيش المصري يخوض حملة عسكرية واسعة في سيناء للقضاء على “داعش”.

في الصباح المبكر من يوم السبت، ذاكرة مخيفة عادت إلى عقول حكام الصهاينة، لتسارع الدول الداعمة للكيان بمراجعة خططها على الفور وتجلى ذلك بتصريح وزيرة الدفاع الفرنسية بعدم وجود أي دليل على استخدام دمشق لسلاح كيميائي، بالتزامن مع تجديد السويد طلبها -الأمريكي الطابع- من مجلس الأمن بقرار وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية، والذي سبقه تمتين العلاقات الثلاثية (تركيا- إيران-روسيا) بإعلان سوتشي من اسطنبول، وهو مايعني بالنتيجة تحويل “إسرائيل” إلى مستلم لرسائل الرعب السورية عن كامل التحالف الغربي والذي قد تصل قوة هذه الرسائل إلى مواجه مباشرة في حال أصبحت الحسابات السورية والمحور الداعم لها عالية الخسائر بفعل المخططات الأمريكية، مايعيد تشكيل قواعد الانتشار في كل المنطقة على الأسس الجديدة المفروضة من دمشق.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *